ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار


عنوان المقالة : مختصر سيرة خاتم النبيين

بسم الله الرحمن الرحيم

كان المسلمون في مكة في أذى شديد من قريش ، فأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة أولا إلى الحبشة ، ثم لما أسلم كثير من أهل المدينة صارت الهجرة إلى المدينة .

 

 

وحين خاف أهل مكة من هذه الحال اجتمع ملؤهم ورؤساؤهم في دار الندوة يريدون القضاء التام على النبي صلى الله عليه وسلم ; فاتفق رأيهم أن ينتخبوا من قبائل قريش من كل قبيلة رجلا شجاعا ، فيجتمعون ويضربونه بسيوفهم ضربة واحدة . قالوا : لأجل أن يتفرق دمه في القبائل ، فتعجز بنو هاشم عن مقاومة سائر قريش فيرضون بالدية ، فهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ، فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعزم على الهجرة ، وأخبر أبا بكر بذلك وطلب منه الصحبة ، فأجابه إلى ذلك وخرج في تلك الليلة التي اجتمعوا على الإيقاع به ، وأمر عليًّا أن ينام على فراشه ، وخرج هو وأبو بكر إلى الغار ، فلم يزالوا يرصدونه حتى برق الفجر ، فخرج إليهم عليّ فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري .

ثم ذهبوا يطلبونه في كل وجهة ، وجعلوا الجعالات الكثيرة لمن يأتي به ، وكان الجبل الذي فيه الغار قد امتلأ من الخلق يطلبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا . فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ وأنزل الله تعالى :

{ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [التوبة : 40] .

فهاجر إلى المدينة واستقر بها ، وأذن له في القتال بعدما كان قبل الهجرة ممنوعا لحكمة مشاهدة ، فقال :

{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [الحج : 39] .

وجعل يرسل السرايا ، ولما كانت السنة الثانية فرض الله على العباد الزكاة والصيام ، فآيات الصيام والزكاة إنما نزلت في هذا العام وقت فرضها ، وأما قوله تعالى :

{ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ }{ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } [فصلت : 6 و 7] .

فإن المراد زكاة القلب وطهارته بالتوحيد وترك الشرك .

وفي السنة الثانية أيضا كانت وقعة بدر ، وسببها أن عيرا لقريش تحمل تجارة عظيمة من الشام ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم بمن خف من أصحابه لطلبها ، فخرجت قريش لحمايتها ، وتوافوا في بدر على غير ميعاد ، فالعير نجت والنفير التقوا مع الرسول وأصحابه ، وكانوا ألفا كاملي العدد والخيل ، والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر على سبعين بعيرا يعتقبونها ، فهزم الله المشركين هزيمة عظيمة ، قتلت سرواتهم وصناديدهم ، وأُسر من أُسر منهم ، وأصاب المشركين مصيبة ما أُصيبوا بمثلها ، وهذه الغزوة أنزل الله فيها وفي تفاصيلها سورة الأنفال ، وبعدما رجع إلى المدينة منها مظفرا منصورا ذل من بقي ممن لم يُسلم من الأوس والخزرج ، ودخل بعضهم في الإسلام نفاقا ، ولذلك جميع الآيات نزلت في المنافقين إنما كانت بعد غزوة بدر .

ثم في السنة الثالثة كانت غزوة أحد ، غزا المشركون وجيشوا الجيوش على المسلمين حتى وصلوا إلى أطراف المدينة ، وخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه وعبأهم ورتبهم ، والتقوا في أُحد عند الجبل المعروف شمالي المدينة ، وكانت الدائرة في أول الأمر على المشركين ، ثم لما ترك الرماة مركزهم الذي رتبهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم : لا تبرحوا عنه ، ظهَرنا أو غُلبنا ، وجاءت الخيل مع تلك الثغرة وكان ما كان ، حصل على المسلمين في أُحد مقتلة أكرمهم الله بالشهادة في سبيله ، وذكر الله تفصيل هذه الغزوة في سورة آل عمران ، وبسط متعلقاتها ، فالوقوف على هذه الغزوة من كتب السير يعين على فهم الآيات الكثيرة التي نزلت فيها كبقية الغزوات .

ثم في السنة الرابعة تواعد المسلمون والمشركون فيها – في بدر – فجاء المسلمون لذلك الموعد ، وتخلف المشركون معتذرين أن السنة مجدبة ، فكتبها الله غزوة للمسلمين :

{ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } [آل عمران : 174] .

ثم في سنة خمس كانت غزوة الخندق ، اتفق أهل الحجاز وأهل نجد ، وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على غزو النبي صلى الله عليه وسلم ، وجمعوا ما يقدرون عليه من الجنود ، فاجتمع نحو عشرة آلاف مقاتل وقصدوا المدينة ، ولما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم خندق على المدينة ، وخرج المسلمون نحو الخندق ، وجاء المشركون كما وصفهم الله بقوله :

{ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } [الأحزاب : 10] .

ومكثوا محاصرين المدينة عدة أيام ، وحال الخندق بينهم وبين اصطدام الجيوش ، وحصل مناوشات يسيرة بين أفراد من الخيل ، وسبب الله عدة أسباب لانخذال المشركين ، ثم انشمروا إلى ديارهم ، فلما رجعوا خائبين لم ينالوا ما كانوا جازمين على حصوله ، تفرغ النبي صلى الله عليه وسلم لبني قريظة الذين ظاهروا المشركين بقولهم وتشجيعهم على قصد المدينة ، ومظاهرتهم الفعلية ونقضهم ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم فحاصرهم ، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ، وفي هذه الغزوة أنزل الله صدر سورة الأحزاب من قوله :

{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } [إلى قوله :] { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } [الأحزاب : 9 – 27] .

ثم في سنة ست من الهجرة اعتمر صلى الله عليه وسلم وأصحابه عمرة الحديبية ، وكان البيت لا يُصدُّ عنه أحد ، فعزم المشركون على صد النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، ولما بلغ الحديبية ورأى المشركين قد أخذتهم الحمية الجاهلية جازمين على القتال دخل معهم في صلح لحقن الدماء في بيت الله الحرام ، ولما في ذلك من المصالح ، وصار الصلح على أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم عامه هذا ولا يدخل البيت ، ويكون القضاء من العام المقبل ، وتضع الحرب أوزارها بينهم عشر سنين ; فكره جمهور المسلمين هذا الصلح حين توهموا أن فيه غضاضة على المسلمين ، ولم يطلعوا على ما فيه من المصالح الكثيرة ، فرجع صلى الله عليه وسلم عامه ذلك ، وقضى هذه العمرة في عام سبع من الهجرة ، فأنزل الله في هذه القضية سورة الفتح بأكملها : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } [الفتح : 1] .

فكان هذا الفتح لما فيه من الصلح الذي تمكن فيه المسلمون من الدعوة إلى الإسلام ، ودخول الناس في دين الله حين شاهدوا ما فيه من الخير والصلاح والنور ، وقد تقدم أن قصة بني قريظة دخلت في ضمن قصة الخندق ، أما قبيلة بني النضير من اليهود فإنها قبل ذلك حين هموا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا على جانب المدينة غزاهم صلى الله عليه وسلم واحتموا بحصونهم ، ووعدهم المنافقون حلفاؤهم بنصرتهم ، فألقى الله الرعب في قلوبهم ، وأنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يجلوا عن ديارهم ولهم ما حملت إبلهم ، ويدعوا الأرض والعقار وما لم تحمله الإبل للمسلمين ; فأنزل الله في هذه القضية أول سورة الحشر :

{ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ } [الحشر : 2] إلى آخر القصة .

وفي سنة ثمان من الهجرة ، وقد نقضت قريش العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم غزا مكة في جند كثيف من المسلمين يقارب عشرة آلاف ، فدخلها فاتحا لها ، ثم تممها بغزو حنين على هوازن وثقيف ، فتم بذلك نصر الله لرسوله وللمسلمين ، وأنزل الله في ذلك أول سورة التوبة .

وفي سنة تسع من الهجرة غزا تبوك وأوعب المسلمون معه ، ولم يتخلف إلا أهل الأعذار وأناس من المنافقين ، وثلاثة من صلحاء المؤمنين : كعب بن مالك وصاحباه ، وكان الوقت شديدا ، والحر شديدا ، والعدو كثيرا ، والعسرة مشتدة ، فوصل إلى تبوك ومكث عشرين يوما ولم يحصل قتال فرجع إلى المدينة ; فأنزل الله في هذه الغزوة آيات كثيرة من سورة التوبة ، يذكر تعالى تفاصيلها وشدتها ، ويثني على المؤمنين ، ويذم المنافقين وتخلفهم ، ويذكر توبته على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ، ويدخل معهم الثلاثة الذين خلفوا بعد توبتهم وإنابتهم .

وفي مطاوي هذه الغزوات يذكر الله آيات الجهاد وفرضه وفضله وثواب أهله ، وما للناكلين عنه من الذل العاجل والعقاب الآجل ، كما أنه في أثناء هذه المدة ينزل الله الأحكام الشرعية شيئا فشيئا بحسب ما تقتضيه حكمته .

وفي سنة تسع من الهجرة أو سنة عشر فرض الله الحج على المسلمين ، وكان أبو بكر حج بالناس سنة تسع ، ونبذ إلى المشركين عهودهم ، وأتم عهود الذين لم ينقضوا ، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر واستوعب المسلمين معه ، وأعلمهم بمناسك الحج والعمرة بقوله وفعله ، وأنزل الله الآيات التي في الحج وأحكامه ، وأنزل الله يوم عرفة :

{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } [المائدة : 3] .

فلم يبق من العلوم النافعة علم إلا بيَّنه لهم ، فإن القرآن تبيان لكل شيء ، فعلوم الأصول وعلوم الفروع والأحكام ، وعلوم الأخلاق والآداب ، وعلوم الكون ، وكل ما يحتاجه الخلق من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة ، ففي القرآن بيانه والإرشاد إليه ، وهو الذي إليه المرجع في جميع الحقائق الشرعية والعقلية ، ومحال وممتنع أن يأتي علم صحيح لا محسوس ولا معقول ينقض شيئا مما جاء به القرآن ؛ فإنه { تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } ، { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } .

{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } :

{ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } [الأحزاب : 4] .

 

 

عنوان المقالة : ((مختصر سيرة خاتم النبيين))

صاحب المقالة : الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

مرسل المقالة إلى hasaneh : الطالب أسامة محمد درزند من ايران

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: