ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

من آداب الحوار


عنوان المقالة : من آداب الحوار

متى ما كان المحاور المسلم مؤهلاً للانخراط في الحوار حتى يجني ثماره وينفع نفسه ودينه منه فإن عليه أن يأخذ بآداب الحوار ويلتزم بمعاييره التي تتحقق بها أعلى فائدة منه ، ومن أهم هذه الآداب :

1- الالتزام بموضوع الحوار وعدم الخروج عليه . وهذه مسألة منهجية وتنظيمية في غاية الأهمية ، وعدم الالتزام بها يؤدي إلى خلط المسائل ببعضها الآخر ، الأمر الذي يؤدي إلى عدم إنضاج أي منها بالبحث والمساءلة والمقارنة والتقويم والاستنتاج . ويمكن معالجة هذه الناحية بضبط أولويات الحوار جيداً ، وإقامة هيئة تحكيم لتضبط المتحاورين كلما جنحوا للخروج من إطار الموضوع .

2- ضرورة تحديد المصطلحات المستخدمة في الحوار وشرح مدلولاتها جيداً ، لأن المصطلح الواحد قد يعني شيئاً مختلفاً عند كلا الطرفين . وهنا لا بد أن يعلن المتحدث عما يعني تحديداً بالمصطلح الرئيس الذي يدور حوله حديثه خلال الحوار .

3- مناقشة المسائل حسب أهميتها . فليس من آداب الحوار تضخيم المسائل الفرعية على حساب المسائل الأصلية ، فإن كثيراً من المسائل الفرعية تنحل آلياً بمجرد مناقشة أصولها الكبرى ومصدر الاختلاف حولها .

4- تلطيف أجواء الحوار حيناً بعد حين ، وذلك بإسداء بعض عبارات الاحترام والتقدير للطرف الآخر ، فإن ذلك أدعى إلى كبح جماح الانفعال لدى الطرف الآخر وتهدئة جموحه نحو التعدي وعدم الموضوعية .

5- عدم التسرع في الإقناع ؛ لأن ذلك مما يجرح مشاعر الطرف الآخر . فالأفضل أن يظهر المحاور وجهة نظره بصورة واضحة ، ويعطي الفرصة كاملة للطرف الآخر – حتى ولو كان خصماً – ليظهر وجهة نظره ، ثم تعطى فرصة زمنية للاثنين حتى يتأمل كل إنسان وجهة نظر صاحبه ، فتتضح الرؤية مع هدوء الخواطر وفتور الانفعال الوقتي الذي يصاحب لحظات الحوار .

6- حسن الاستماع للطرف الآخر . فالحوار مسألة تبادل للآراء وليس مجرد إرسال من طرف واحد واستقبال من الطرف الثاني . ومن آداب الحوار أن يحسن كل طرف الاستماع إلى آراء الطرف الآخر ، فلا يغفل عن الاستماع استهواناً أو تسفيهاً لآراء الآخرين ولا يتمادى في الحديث حتى يجور على الوقت المخصص للآخرين . ومن حسن آداب الأنبياء أنهم كانوا يصغون جيداً لمحاوريهم بل كانوا يتفضلون فيمنحونهم الفرصة الأولى للإدلاء بآرائهم وحججهم فعندما قال السحرة لسيدنا موسى عليه السلام : { وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى }{ قَالَ بَلْ أَلْقُوا } فأعطاهم الفرصة الأولى للإدلاء بالبينات . وروى ابن اسحق في سيرته صلى الله عليه وسلم « أن عتبة بن ربيعة قال يوماً وهو جالس في نادي قومه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟! – وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون – فقالوا : بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ابن أخي . إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت أحلامهم ، عبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها . قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” قل يا أبا الوليد أسمع ” . قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء ، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منها ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه . حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه ، قال : ” أفرغت يا أبا الوليد ؟ ” قال : نعم ، قال : ” فاستمع مني ” . قال : أفعل . قال : بسم الله الرحمن الرحيم : { حم }{ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }{ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها إلى السجدة واستمع إليها عتبة حتى تغير وجهه وتأثر مما سمع وذهب إلى القوم وهو يمدح القرآن فقالوا له : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه » .

ومهما تكن نتيجة الحوار فالمسلم مكلف بالاستماع تطييباً لخاطر من يتكلم وذلك أدعى إلى جلبه إلى جانب الحق ، وذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف ، وفي كل موقف حوار له مع الكفار والمخالفين . وإذا كان حتى الكافر يمنح تلك الفرصة في الاستماع ليعرض أفكاره وآراءه ، فإن ذلك الحق نفسه لا بد أن يعطى للمخالفين ضمن إطار التصور الإسلامي العام ، أو للمخالفين من أصحاب الثقافات والحضارات والأديان الكتابية ، على وجه الخصوص ، فالحوار آلية مهمة لتحقيق أداء واجب الدعوة بالتبليغ لرسالة الدين الحنيف ، ولذا أورد القرآن الكريم نماذج عديدة منه ، ودعا إلى استخدامه مشروطاً بآداب الحوار .

 

عنوان المقالة : من آداب الحوار

الكتاب : الحوار مع أصحاب الأديان مشروعيته وشروطه وآدابه

المؤلف : أحمد بن سيف الدين تركستاني

مصدر الكتاب : موقع الإسلام http://www.al-islam.com

مرسل المقالة إلى hasaneh : الطالب أسامة محمد درزند من ايران

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: